أحمد بن علي القلقشندي
208
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فالتفت إلى عطفه وقد شمط فأسي ، وترك النّعيب أو نسي ، وهبط إلى الأرض فمشى في قيد ، وتمثّل ببيت دريد ( 1 ) : صبا ما صبا حتّى علا الشّيب رأسه فلمّا علاه قال للباطل : ابعد ! وأراد الإياب ، في ذلك الجلباب ، فكره الشّمات ، فكمد حتّى مات ؛ وربّ وليّ أغرق في الإكرام ، فوقع في الإبرام ، إبرام السّأم ، لا إبرام السّلم ( 2 ) ؛ فحرس اللَّه سيدنا حتّى تدغم الطاء في الهاء ( 3 ) ، فتلك حراسة بغير انتهاء ؛ وذلك أن هذين ضدّان ، وعلى التّضادّ متباعدان ، رخو وشديد ، وهاد وذو تصعيد ، وهما في الجهر والهمس ، بمنزلة غد وأمس ؛ وجعل اللَّه رتبته التي [ هي ] ( 4 ) كالفاعل والمبتدا ، نظير الفعل في أنها لا تنخفض أبدا ، فقد جعلني : إن حضرت عرف شاني ، وإن غبت لم يجهل مكاني ، ك « يا » في النّداء ، والمحذوف من الابتداء ، إذا قلت : زيد أقبل ، والإبل الإبل ، بعد ما كنت كهاء الوقف إن ألقيت ( 5 ) فبواجب ، وإن ذكرت فغير لازب ( 6 ) . إنّي وإن غدوت [ في زمان ] ( 7 ) كثير الدّد ، كهاء العدد ، لزمت المذكَّر ، فأتت بالمنكر ، مع إلف يراني في الأصل ، كألف الوصل ، يذكرني بغير ( 8 ) الثّناء ، ويطَّرحني عند الاستغناء ، وحال كالهمزة تبدل العين ،
--> ( 1 ) أراد : دريد بن الصمّة ، حيث يقول قبل هذا البيت : فإن يك عبد اللَّه خلَّى مكانه فما كان وقّافا ولا طائش اليد كميش الإزار خارج نصف ساقه بعيد من الآفات كلَّاع أنجد ( الشعر والشعراء : 386 ) . ( 2 ) الإبرام : الإضجار . والبرم أيضا ثمر السّلم ، وهو من الشجر . ( 3 ) وهو أمر مستحيل ، ذلك أن الطاء من الحروف الشديدة ، مبدؤها من طبق الحنك الأعلى ، والهاء من الحروف المهموسة الحلقية . ( 4 ) الزيادة من شرح الرسالة الإغريضية للبكر باذي . ( 5 ) في البكر باذي : « ألغيت » . ( 6 ) أي : غير لازم . ( 7 ) الزيادة من البكر باذي . والدّد : اللهو والباطل . ( 8 ) في المرجع السابق : « لغير » .